Welcome to samer hoom
Translation
ArabicChinese (Simplified)DutchEnglishFrenchGermanItalianPortugueseRussianSpanish

إهمال مؤرخي الإسلام للعصر الجاهلي

إهمال مؤرخي الإسلام للعصر الجاهلي

إهمال مؤرخي الإسلام للعصر الجاهلي

الحلقة الثالثة

يتهم المؤرخون المسلمون الكبار , مثل البلاذري و الدينوري و الطبري
‘ واليعقوبي والمسعودي , وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون وغيرهم , بأنهم لم يهتموا بتاريخ العرب قبل الإسلام , الإهتمام الكافي بل لم يقدموا ما قدموه منه في صورة صحيحة ؛ وإنما قدموه مليئا بالمبالغات والخرافات , وأنهم استقوا معلوماتهم عنه من مصادر يهودية ومسيحية , فهؤلاء هم أهل الكتاب ,وأهل العلم الأول , على حد تعبير محمد بن اسحاق .

فعن هذا الطريق دخلت الخرافات والأساطير عن العرب قبل الإسلام في
الفكر الإسلامي , ونقاها المؤرخون ؛ بل المفسرون فى كثير من الأحيان , دون نقد أو تمحيص ,ولم يقتصر الأمر على تاريخ العرب قبل الإسلام وإنما حتى تاريخ صدر الإسلام ناله الكثير من هذا التحريف والتشويه .

ويعترف شيخ المؤرخين المسلمين وعمدتهم , أبو جعفر بن جرير الطبري
صراحة , بأن تاريخه احتوى على كثير من الأخبار التي لا يعرف لها وجها في الصحة , ولا معنى فى الحقيقة , فقد قال فى مقدمة كتابه الشهير : (( فما يكن فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ما يستنكره قارئه , أو يستشنعه سامعه , من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ,ولا معنى في الحقيقة , فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ,وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا, وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أَدي إلينا ))(1)

وهكذا تصور المؤرخ الكبير – رغم اعترافه بشناعة بعض أخباره وبعدها عن الحقيقة ‏ أنه أعفى نفسه من المسئولية, وألقاها على عاتق الرواة وهو بقوله هذا كأنه توقع أن يوجه إليه النقد من اللاحقين على رواية أخبار كثيرة ما كان يصح أبداً أن يرويها عالم كبير مثله , له باع طويل في علوم كثيرة , من أشرف وأجل العلوم الإسلامية ؛ كالتفسير والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي , وكان ‏ عليه أن ينقد وأن.يمحصن قبل أن يسجل ويدون , ولنا أن نتخيل ولو مجرد تخيل أن الطبري صنع في التاريخ ما صنعه البخاري في الحديث , فلو فعل لكان قد أراح الباحثين من عناء كبير وحيرة شديدة بين الروايات المتضاربة والمتناقضة في كثير من الأحيان .

وإليك بعض الأمثلة مما ذكره المؤرخون المسلمون من مبالغات وخرافات
وأساطير حول تاريخ العرب قبل الإسلام , من ذلك ما ذكره المسعودي(2) عن عاد قوم هود , وأنهم كانوا طوالا كالنخل , ولم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ومتانتها وأن جدهم عاد تزوج ألف امرأة , وعاش ألفا ومأتي سنة , ثم لم يمت إلا بعد أن رأى من صلبه أربعة آلاف ولد … إلخ من المبالغات التي لا بصدقها عقل ؛ وكل هذا يرويه المسعودي عن وهب من منبه وكعب الأحبار وهما من أهل الكتاب .

لقد تحدث القرآن الكريم عن قوم عاد , وأخبرنا عن شدتهم وقوتهم في أكثر من موضع مثل قوله تعالى في سورة الشعراء:(كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130))من الايات(123_130)

فهذه الايات الكريمة تفيد على وجه الإجمال أن لقوم كانوا أقوياء ذوي
بطش شديد , ولكن أين هذا من مبالغات المسعودي .

ولكن الإنصاف يقتضينا من ناحية ثانية أن نقول إن نقص معلومات
مؤرخينا الكبار عن العصر الجاهلي لم يكن لهم يد فيه , وكانوا مضطرين للأخذ من المصادر اليهودية والمسيحية التي كانت في متناول أيديهم , لآن تاريخ ذلك العصر ظل مجهولا ‏ في جملته ‏ إلى وقت قريب , ولم يبدأ الناس يعرفون عنه. الكثير إلا منذ القرن الثامن عشر الميلادي , عندما بدأت البعثات العلمية الأوربية والعربية تتوافد على شبه الجزيرة العربية , لتستكشف وتنقب عن آثارتلك البلاد , وبدأت الرمال والحجارة تفصح ,والنقوش تنطق وتبين عن عظمة الرجال الذين بنوا حضارة العرب قبل ظهور الإسلام في سالف الزمان . أما قبل ذلك فكان القليل المعروف عن تاريخ العرب قبل الإسلام يعتمد على ما جاء في التوراة , وعلى ما كتبه المؤرخون والجغرافيون الأغريق والرومان , وكل ذلك لم يكن يشفي غليل العلماء , الذين أخذوا في التنقيب , وكابدوا مشقات كبيرة ؛يشكرون عليها في سبيل الوصول إلى تاريخ حقيقي لتلك البلاد ؛ يعتمد على أدلة مادية لا مجرد التخمين . ولقد اكتشف العلماء , على سبيل المثال , أكثرمن خمسة آلاف نقش فى اليمن وحدها , من مختلف المناطق , وعن مختلف
العصور ؛ وعشرات الآلاف من المخريشات على واجهات الصخور في شمال بلاد العرب ؛ بين ثمودية ولحيانية وسبئية وغيرها , فضلا عن تلك التي وجدت خارج شبه جزيرة العرب ؛ وبخاصة النقوش ش الصفوية ؛ التي وجدت فوق جبال الصفا , جنوب شرق مدينة دمشق بالشام وهي قريبة من حيث الخط واللغة وأسماء الآلهة من المخربشات الثمودية ,وهكذا أصبح لدينا صورة واضحة إلى حد ما عما كان يجري في تلك البلاد منذ القرن التاسع قبل الميلاد , وحتى ظهور الإسلام , في مطلع القرن السابع الميلادي, وأصبحنا نعرف الكثير عن الحياة السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية للعرب قبل الإسلام.(3)

وسوف تكون صورة تاريخ العرب قبل الإسلام أكثر وضوحا ف في المستقبل القريب , لأن الجامعات و مراكز الأبحاث ‏ خاصة في المملكة العربية السعودية , وبقية دول الخليج العربية » قد أخذت دورها في الكشف عن تاريخ العرب القديم . ولا بأس أن ننوه هنا بالجهد الكبير الذي تبذله جامعة الملك العربية وندوتها العالمية , وبحوثها ‏ عن مصادر ‏ تاريخ شبه الجزيرة , والجزيرة العربية قبل الإسلام , والجزيرة العربية في عصر الرسول والخلفاء الراشدين -والتي طبعت في طبعات فاخرة . وهذه مبادرة طيبة , وجهود مشكورة من الحضارة العربية القديمة في شبه الجزيرة العربية بصفة عامة , وفي منطقة الربع الخالي ؛ في جنوبها الشرقي بصفة خاصة . علّها تكشف لنا عن حضارة عاد :
قوم هود عليه السلام ‏ وعن عاصمتهم إرم ذات العماد , التي لم يخلق مثلها
في البلاد , كما أخبرنا القرآن الكريم.

نعود إلى مؤرخي الإسلام الكبار » لنؤكد القول إننا لا نريد التقليل من
جهودهم الكبيرة في تسجيل التاريخ الإسلامي , ولكننا نلفت الأنظار إلى
الأخطاء التي وقعوا فيها , بحسن نية , لنقوم بتصحيحها في ضوء ما أتيح لنا من معلومات جديدة عن تاريخ العرب قبل الإسلام , لم تكن متاحة لهم.

وكما قدم المؤرخو الاسلام الكبار تاريخ العرب القديم اعتمادا _في غالب الأحوال ‏ على أهل الكتاب , ووقعوا في الأخطاء التي وقعوا فيها . فإنهم
نظروا إلى الفترة السابقة على ظهور الإسلام مباشرة , والتي اصطلح على تسميتها بالعصر الجاهلي ؛ بعين غير راضية , ولعل الموقف السيء الذي وقفه أهل مكة وغيرهم من مشركي ذلك العصر من الإسلام ورسوله عليه الصلاة .والسلام , وما ألحقوه به من الإيذاء هو وأصحابه رضى الله عنهم ومحاربتهم له طوال ما يقرب من عشرين عاماً ؛ لعل هذا الموقف هو السبب في نظرة المؤرخين المسلمين إلى ذلك العصر , فلم يذكروه إلا مقرونا بالذم والسوء ؛ والتحقير :كما أن انبهارهم بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه , ونجاحه العظيم في نشر رسالته على خير وجه , وإقامة الدولة الإسلامية العملاقة على أسس تلك الرسالة العظيمة الخالدة , كل ذلك جعلهم يحتقرون العصر الجاهلي ,ويستصغرون شأنه , ويرونه عصر اضمحلال حضاري , وتدهور أخلاقي .وانحطاط سياسي , وغير جدير بالاهتمام بالمرة , وهذه النظرة إلى ذلك العصر تحتاج إلى تصويب ,فرغم إدانتنا الكاملة للموقف العدائي الذي وقفه مشركو ذلك العصر من الرسول ورسالته , إلا أننا لا ينبغي أن ننسى أن حياة العرب
خلال ذلك العصر لم تكن كلها سيئة , وأن دراستها بما فيها من سيء وحسن ذات أهمية كبيرة لتقدير الإسلام حق قدره » ولمعرفة النقلة الهائلة التي نقلها للعرب , حيث جعلهم سادة الدنيا.

وإذا كان المؤرخون المسلمون الأوائل الكبار قد نظروا إلى تاريخ العصر
الجاهلي مدفوعين بحماسهم الشديد للإسلام , وغيرتهم عليه , واعتقادهم أنهم كلما بالغوا في ذم ذلك العصر ورجاله , كان ذلك إظهارا لفضل الإسلام ؛وكأن فضل الإسلام عندهم لا يعلو إلا بالعيب والطعن في حياة العرب في الجاهلية , فوصفوها بالهمجية والوحشية والقسوة ,وكأن العرب في الجاهلية لم يعرفوا من الحياة إلا جوانبها السيئة ,ومن الأمور إلا وجهها القبيح .(4)

والحقيقة أن الصورة التى رسمها المؤرخون المسلمون للعصر الجاهلي غير واقعية , فحياة العرب لم تكن على تلك الدرجة من السوء , ولم يكن العرب أمة همجية, ولو كانوا كذلك لما شرفهم الله تعالى بحمل الرسالة الاسلامية الخالدة , بل لا بد أنهم كانوا يتميزون بصفات خاصة أهلتهم لحمل عبء ومشقة نشر رسالة الاسلام , وكانت لهم حضارة تناسب عصرهم , ومتطلبات حياتهم , وكانت لغتهم أقدر اللغات في ذلك العصر على التعبير , وآية ذلك أن لله تعالى اختارها لتكون لغة القرآن الكريم . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدّق أن القرآن الكريم قد ظهر في أمة همجية.(5)

بل إن مشركي قريش – أو معظمهم على الأقل ‏ الذين عادوا الإسلام
وحاربوه » هم أنفسهم الذين نصروه ونشروه بعد أن هداهم الله إليه » وهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي كان يستشرف ذلك ويتوقعه منهم .

وآية ذلك أنه حينما عاد من رحلته إلى الطائف مغضبا شاكيا الي الله
ضعف قوته وقلة حيلته , وجاءه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال ,فقال له : « إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين » (6) فقد قال صلى الله عبيه وسلم : « بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً » ثم دعا لهم بالهداية قائلا : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون>>.

وقل استجاب الله دعوته فهداهم » وشرح صدورهم للإسلام » فأصبحوا
جنده وحماته, فلم تكد تمضي عشر سنوات على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كانوا قد نشروا الإسلام في مناطق شاسعة في الشرق ؛ شملت العراق وبلاد فارس والشام , ومصر ء ولم يكد يمر قرن على وفاته صلى الله عليه وسلم حتى كانوا قد كونوا أكبر امبراطورية عرفها التاريخ ؛ امتدت حدودها من المحيط الأطلسى إلى الصين , وأنشاوا أعظم حضارة عرفتها البشرية , في تاريخها الطويل.

وإذا كان بعض -رجال ذلك العصر الجاهلي يتصفون بصفات مرذولة ,
فإن كثيرين منهم كانوا يتحلون بصفات حميدة كثيرة , مثل الكرم والشجاعة والصبر على المكاره ؛ والمروءة والنجدة , إلى غير ذلك من الصفات والأخلاق النبيلة , كما كان لهم قيم وتنظيمات نافعة تدل على إنسانيتهم , ولقد كان الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم يعتز بالنافع من تلك القيم ويثنى عليه , كثنائه على حلف النضول ‏ كما سيأتي.

فحياة العرب في الفترة السابقة علي ظهور الاسلام تحتاج الي دراسة جادة وعميقة ومفصلة , كمدخل لدراسة الاسلام وفهمه , وهذا هو مغزى عبارة عمر بن الخطاب رضى الله عنه التي ذكرناها في صدر هذا الحديث.

ثم إن القرآن الكريم نفسه قد عرض حياة العرب في الجاهلية بكل ما فيها
من خير وشر ,وصالح وطالح . ونوه بأحوالهم السياسية والاجتماعية
والاقتصادية والدينية , والباحث في الأحكام التي وردت في القرآن الكريم ؛والسنة النبوية , وما استنبط الفقهاء والقضاة ؛ من فتاوي وأقضية وأحكام . يجد صلة وثيقة بأحوال الغرب في الجاهلية , وعلاقة قوية بحضارتهم.

ولذلك كان لزاما على المفسرين والمحدثين والفقهاء ومؤرخي الآديان ‏
والتشريع الاسلامي … أن يعنوا بدراسة العصر الجاهلي عناية كبرى من جميع نواحيه , وأن يتفهموه تفهما صحيحا ., ليقفوا على ما فيه من تعقيدات وملابسات كانت سببا مهما في نزول النصوص القرانية :.. إذا عرفنا ذلك كله أدركنا السر الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينسخ كل ما عند العرب , بل دعا قومه إلى ترك الضار منه , ورفضه رفضا باتا , وفي الوقت نفسه أقر الحسن النافع من هذه العادات , وعدل البعض الآخر منها , وصقله وهذبه , ثم جاء بأمور جديدة لم يكن للعرب بها عهد . وبذلك يكون الإسلام قد راعى إلى حد بعيد عادات العرب وتقاليدهم , والعرف الذي كان سائدا عندهم, وتمكن أن يعالج نظام مجتمعهم معالجة جذرية , واستطاع أن يأتي بنظام جديد يرمي
إلى تكوين دولة تستند إلى الأنظمة والقوانين التي جاءت بها الشريعة
الاسلامية (7).

________________________________________________________________________________________________________________

(1)تاريخ الرسل والملوك ج1 ص7,8 الطبعة الثانية. دار المعارف.

(2)مروج الذهب ومعادن الجواهر ج2 ص40 طبعة خامسة ,دار الفكر.

(3)د.محمد بيومى مهران_ تاربخ العرب قبل الاسلام ص17.

(4)د .محمد أحمد حسب الله , د .محمد الخطيب ,دراسات في السيرة النبوية ص5 .

(5)د .طه حسين _في الادب الجاهلي ص8 .

(6)ابن سيد الناس, عيون الاثر فى فنون المغازى ,والشمائل والسير ج1 ص168 .

(7)د .ناجي معروف ,أصالة الحضارة العربية ص43.

Share the post

Related Articles

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الديكوروالمنزل
اعلان
تصنيفات
اعلان