Welcome to samer hoom
Translation
ArabicChinese (Simplified)DutchEnglishFrenchGermanItalianPortugueseRussianSpanish

سلسلة السيرة النبوية_الدعوة جهراً

سلسلة السيرة النبوية_الدعوة جهراً

سلسلة السيرة النبوية_الدعوة جهراً

سرية الدعوات تحوطها بالأمان وتهيئ لها كنف الاطمئنان، أما الجهر بها فيفتح عليها تيارات حربية لا هوادة فيها، ويرسل عليها من كل جانب من يجتث أصلها ويستأصل شأفتها، وهذا ما أريد لدعوة الإسلام لما جهر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونُفذ بإحكام من أطراف كانوا أعداء رأب صدعهم خطر دعوة الإسلام التي ستقضى على الرياسة والأموال والشهوات التي كان يتمتع بها صناديد قريش

الحلقة الثانية عشر

[مراحل الدعوة الجهرية والبدء بدعوة الأقربين]

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

ذكرنا في الدرس السابق ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من بداية الدعوة السرية في أرض مكة، وكانت هذه الفترة قرابة ثلاث سنوات كاملة، وبلغ عدد المسلمين في آخر هذه الفترة نحو ستين فرداً من الرجال ومن النساء، وأصبح من المتعذر على أهل مكة أن يستأصلوا الإسلام بكامله؛ لأنهم كانوا من قبائل مختلفة، ومعظمهم من الأشراف، وهنا أذن الله عز وجل لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، وكانت مرحلة الدعوة الجهرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرحلة جديدة.

في أوائل هذه المرحلة أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته، بينما ظل بقية المسلمين في سرية ولم يجهروا، وهذا تدرج واضح في إيصال الدعوة للناس.

أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، وأن يبدأ بأقاربه دون بقية الناس، وهذا أيضاً نوع من التدرج في إيصال الدعوة إلى الناس، قال الله له: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، ولماذا الأقربون بالذات؟ أولاً: لوجود حب فطري للداعية لأقاربه، وهم أقرب إلى الإجابة من غيرهم؛ إذ القريب ليست بينه وبين الداعية حواجز قبيلة أو عنصرية فهو يحبه حباً فطرياً.

ثانياً: حمية قبلية تدافع عنه، فهذا يعطي للداعية قوة، وبالذات إذا كانت للداعية عائلة كبيرة، فلو آمنت هذه العائلة بدعوته لأصبحت عضداً له في دعوته.

ثالثاً: أن دعوة الأقارب هي المسئولية الأولى الملقاة على عاتق الداعية: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).

ومن هنا جاءت أهمية صلة الرحم وأهمية دعوة الأقربين، فلو أن الداعية يحارب من داخل بيته أو عشيرته أو قبيلته، أو أن أباه أو زوجته أو ابنه يعوق مسيرته، فإن هذه أمور تعيق طريق الدعوة.

وهناك نقطة بنائية هامة لابد أن نخرج منها: وهي أن دعوة الأقربين أهم من دعوة عامة الناس؛ فهذا لوط عليه السلام عندما جاءه قومه يراودونه عن ضيفه، قال لهم: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80]؛ لأن لوطاً عليه السلام لم تكن له عائلة قوية، فكان يتمنى لو أن له عائلة قوية لوقف أمام القوم يدافع عن ضيوفه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تعليقاً على هذا الكلام: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -وهو الله عز وجل-، فما بعث الله بعده من نبي إلا في ذروة من قومه)، ليس عيباً أن الإنسان يحتمي بقومه وبعشيرته وبقبيلته مادام لا يتنازل عن شيء من عقيدته ودينه، على النقيض من هذا الموقف كان موقف شعيب عليه السلام، وانظر إلى قومه عندما جاءوا إليه ليعترضوا عليه قالوا: {وَلَوْلا رَهْطُكَ} [هود:91]، ولولا العائلة الضخمة الكبيرة التي تأوي إليها: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود:91].

إذاً: دعوة الأقربين هامة جداً في بناء الأمم، بل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما نزلت عليه هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] تحرك بسرعة صلى الله عليه وسلم، ودعا (45) من أهله إلى الطعام، والدعوة إلى الطعام ترقق القلوب؛ لأن فيها ألفة ومودة، فمن أجل أن يكلمهم في أمر الدعوة دعاهم أولاً إلى الطعام، ثم بعد ذلك يبلغهم أمر الدعوة، لكن قبل أن يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم وقف أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصُّباة، واعلم أنه ليس لقومك طاقة بالعرب قاطبة.

كان أبو لهب يسمع بأمر الدعوة وأمر الإسلام، ولكنه لم يعترض على الإسلام من قبل، ولم يعترض أحد من أهل قريش قبل ذلك، ومع اكتشافهم لبعض المسلمين؛ لأن المسلمين كانوا يكتفون بعبادات فردية، ويعبدون الله عز وجل في بيوتهم، فظن أهل قريش أنهم يفعلون أفعال الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية ديناً، وأهل الباطل لا يمانعون أن تعبد ما تشاء في بيتك دون تدخل في المجتمع، أما أن يجمع محمد صلى الله عليه وسلم الناس، ويبدأ في دعوتهم إلى ما هو عليه، ثم يسفه ما يعبدون من دون الله، ثم يحكمون الله في أمورهم! فهذا ما يرفضه أهل الباطل من قريش.

كانت هذه مبادرة أبي لهب، ثم أتبعها بكلام شديد، قال: ما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يدع الناس، ولم يدخل في جدل مع أبي لهب، وهي حكمة نبوية بالغة؛ لأن الظرف غير موات، فليس من الحكمة إلقاء الدعوة في هذا الجو، وأبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله أتباع وأنصار، فليجمع الرسول صلى الله عليه وسلم

[موقف الأقربين من الدعوة النبوية]

الموقف الأول: هو موقف أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أحبه حباً يفوق حب أولاده، والذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب، وموقفه يعتبر من أكبر علامات الاستفهام في التاريخ، وقف أبو طالب إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يشجعه بكل طاقاته، لكنه ما دخل في دينه، أخذ أبو طالب كل تبعات الدين الشاقة، وما استمتع بأحلى ما في هذا الدين؛ من تضحية، وبذل، وجهاد، وعطاء، وتعب، وسهر؛ لأنه لم يؤمن، {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56].

قام أبو طالب فقال: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب -أي: أسرعهم إلى نصرتك ومعاونتك-، فامض لما أمرت به.

أي: أنه يعلم أن الله عز وجل هو الذي أمره بذلك، ولم يأت به من عنده صلى الله عليه وسلم، ثم يقول أبو طالب: فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

هذا يعني أنه تيقن أنه رسول من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه أمر بهذا الكلام ولم يأت به من عنده، وأنه صادق لا يكذب، ومع ذلك يقول: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

هذا تناقض بشع في نفس المقالة، ما الذي وقف حاجزاً بينه وبين الإيمان؟ التقاليد، تقديس رأي الآباء والأجداد والعائلات، حتى وإن كان مخالفاً للحق، فهذه الجريمة وراء مصائب كثيرة حدثت لـ أبي طالب وتحدث لغيره ممن ساروا على نهج آبائهم وعصوا الله عز وجل، وخالفوا منهج رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

المهم في هذا أن أبا طالب كان واضحاً في دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول يوم جهر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة لأقاربه.

وعلى الجانب الآخر قام أبو لهب وظل مصراً على عدائه، قال: هذه والله السوأة، خذوا على يده قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا.

إذاً: يتضح أمامنا أن هناك موقفين لأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ موقف مدافع يتزعمه أبو طالب، وموقف مهاجم يتزعمه أبو لهب

[الجهر بالدعوة أمام قريش عامة]

جاءت الأوامر من الله عز وجل أن يوسع الرسول صلى الله عليه وسلم دائرة الدعوة، فيقوم بصيحة أعلى بعد ذلك لكل بطون قريش، فوقف صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني هاشم، يا بني مخزوم، حتى أتى على كل بطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر الأمر؛ لأنه يرى أن الأمر عظيم.

يقول ابن عباس في رواية البخاري: جاء أبو لهب وقريش -يخص بالذكر أبو لهب؛ لأن له موقفاً من هذا الحدث- فقال صلى الله عليه وسلم: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فهنا يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم الحجة على قومه، أولاً: سألهم: (أكنتم مصدقي؟ فقالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً)، بمعنى: أنهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن هذا الرجل لا يكذب، فأنذرهم بالإنذار الذي جاء به: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، أي: إذا كنتم تصدقون إنذاري لكم بخيل وأعداء، فيجب أن تصدقوا إنذاري لكم بعذاب شديد، إذا بقيتم على ما أنتم عليه من عبادة الأوثان وتحكيمها في حياتكم.

فلم يسكت أبو لهب بل قال: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت السورة الكريمة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1].

وهنا مشكلة واضحة بداخل أبي لهب منعته من الإيمان، إن كانت مشكلة أبي طالب التقاليد، فإن مشكلة أبي لهب كانت الجبن الشديد قال: (ليس لنا بالعرب من طاقة) ليس لنا قدرة على تغيير المألوف، ليس عند أبي لهب مانع من الوقوف بجوار القوي وإن كان مخالفاً للحق، وليس عنده مانع من أن يخذل ابن أخيه، أو يخذل الحق بصفة عامة وإن كان من أقاربه وعشيرته، هذا هو الذي أرداه فجعله من الخاسرين، الجبن الشديد المقعد عن العمل الصالح

[الجهر بالدعوة لعامة الناس من قريش وغيرهم]

حصل إعلان لقريش، وحصل إعلان لأقارب الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة قبل ذلك، ثم جاء بعد ذلك إعلان أوسع، الإعلان العام لأهل مكة ولغيرها، ويتضح من هذا التدرج في الدعوة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الله عز وجل: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94] أي: فاصدع يا محمد بأمر الدعوة.

هناك أمران متلازمان سيبقيان معنا طوال مرحلة جهرية الدعوة: الأمر الأول: هو إعلان الدعوة للناس كافة مع خطورة هذا الأمر.

الأمر الثاني: الإعراض عن المشركين، بمعنى: عدم قتال المشركين، وهذا يتضمن معنى ضمنياً، وهو أنه سيحاول المشركون قدر استطاعتهم أن يوقفوا مد هذه الدعوة، وهذا هو ما أشار إليه ورقة بن نوفل من قبل لرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة أن يتجنب الصدام مع المشركين: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94]، حتى لو حدث كيد وتعذيب وقتل فأعرض عن المشركين، هذه ظروف مرحلة معينة تمر بها الدعوة في هذه الفترة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم صدع بما أُمر به، فماذا حدث في مكة؟ حدث انفجار في مكة، مشاعر الغضب والاستنكار والرفض، اجتماعات وتخطيطات ومكائد ومؤامرات، قامت الدنيا ولم تقعد في مكة، إنها الحرب لا هوادة فيها.

المسلمون في مكة لم يعلنوا إسلامهم باستثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من البشر يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة إلا أبو طالب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بدفاع أبي طالب مع كونه كافراً، فهو رجل واقعي يقدر خطورة الموقف، لم يقل: هذا كافر ولا يجوز أن أحتمي به، ولكنه في ذات الوقت ما فرط في كلمة واحدة من الدين، ما تنازل ما بدل ما غير صلى الله عليه وسلم، إنما كانت مساعدة غير مشروطة من أبي طالب، مساعدة دون أن يفرض رأياً أو يخطط مستقبلاً لرسول صلى الله عليه وسلم أو للمسلمين والإسلام.

إذاً: هذا هو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف أبي طالب وموقف مكة بصفة عامة

[موانع دخول أهل مكة في الإسلام]

قبل الحديث عن خطة مكة في القضاء على الدعوة الإسلامية لابد أن نبحث في موانع الإسلام عند أهل مكة، لماذا لم يؤمن أهل مكة؟ هل لأنهم لم يقتنعوا بالدعوة؟ لماذا حاربوا الدعوة ولم ينصروها مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ومن داخلهم؟ ألأنهم لم يدركوا الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنا لا أعتقد هذا مطلقاً، على الأقل الغالبية منهم، فقد كانت الرسالة واضحة جداً، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]، القرآن كلام معجز، وهؤلاء هم أهل اللغة، ويعرفون أن هذا الكلام ليس من كلام البشر، ويعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله فعلاً ولا يكذب، ومع ذلك كان أبي بن خلف يقابل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له: إني سأقتلك، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله.

فمرت الأيام وخرج أبي بن خلف متردداً إلى أحد يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربه صلى الله عليه وسلم بسهم أصاب منه خدشاً في كتفه، فكان أبي بن خلف يصرخ من هذا الخدش صراخاً شديداً، فقال له الناس: هون عليك هذا أمر سهل، فقال أبي بن خلف: إنه قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني! فانظروا إلى مدى تصديقه لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فأين كان عقلك يا أبي؟ أين كان عقل الذين سمعوك ولا يزالون يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذاً: أهل مكة كانوا يوقنون أن هذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق لا ريب فيه، فلماذا كذبوه؟ ذكرنا من الأسباب: التقاليد الذي كان عند أبي طالب والجبن الذي كان عند أبي لهب.

من الأسباب أيضاً التي منعت بعض الناس من دخول الإسلام: القبلية، ففي مكة قبائل كثيرة، بل في داخل قريش بطون كثيرة، فـ أبو جهل من بني مخزوم، وكان يقول: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.

فالتعصب لقبلية أو لقومية أو لعرق معين من شيم الجاهلية، وأعداء الأمة يستغلون هذا المدخل منذ القديم وإلى يوم القيامة، وهذه هي النقطة التي دخل منها اليهود والإنجليز لإسقاط الدولة العثمانية، عندما فرقوا المسلمين إلى عرب وأتراك.

وهي النقطة التي دخل منها الفرنسيون لإسقاط الجزائر عندما فرقوا المسلمين إلى عرب وبربر.

وهي النقطة التي دخل منها شاس بن قيس اليهودي لعنه الله للتفرقة بين الأنصار إلى أوس وخزرج.

ومن الناس من منعه الكبر عن الإسلام، وما أكثر الذين امتنعوا عن لزوم الحق بسبب الكبر، قال الله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34]، فالكبر يقود إلى الكفر.

وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر بقوله: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، (بطر الحق) أي: تعرف الحق ثم تنكره.

(وغمط الناس): أي: احتقارهم.

وانظر إلى كلام الوليد بن المغيرة الذي حكاه القرآن الكريم، قال الله عز وجل في كتابه: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] القريتان هما: مكة، والطائف، فالمقصود بالعظيم في مكة هو الوليد بن المغيرة، والعظيم في الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، فيقولون: لو كان نزل القرآن على رجل عظيم لكنا آمنا به، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق، لكنهم يقيسون العظمة بكثرة الأموال لا بقيم الأخلاق والدين والعقيدة، فالله عز وجل يوضح في كتابه الكريم أن الذي يتصف بصفة الكبر من المستحيل أن يتبع الحق، قال الله عز وجل: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146] أي: أن الله عز وجل بنفسه هو الذي سيصرف أولئك الذين يتكبرون عن آياته سبحانه وتعالى.

ومن الناس من منعه الخوف على السيادة والحكم في أرض مكة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يريد تحكيم الله عز وجل في أمور العبادة، وهو صلى الله عليه وسلم ناقل عن رب العزة، وسيسحب البساط من تحت أقدام الزعماء كـ أبي سفيان وغيره؛ وذلك إن انتشر دين الإسلام بمكة، فكان الخوف على الحكم

Share the post

Related Articles

3 Responses

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الديكوروالمنزل
اعلان
تصنيفات
اعلان